محمد بن جرير الطبري
455
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وأصيب منهم سته آلاف في المعركة ، ولم يبق ولم ينتظر الا الهزيمة ، فلما خبط أبو عبيد ، وقام عليه الفيل جال المسلمون جولة ، ثم تموا عليها ، وركبهم أهل فارس ، فبادر رجل من ثقيف إلى الجسر فقطعه ، فانتهى الناس اليه والسيوف تأخذهم من خلفهم ، فتهافتوا في الفرات ، فأصابوا يومئذ من المسلمين أربعة آلاف ، من بين غريق وقتيل ، وحمى المثنى الناس وعاصم والكلج الضبي ومذعور ، حتى عقدوا الجسر وعبروهم ثم عبروا في آثارهم ، فأقاموا بالمروحة والمثنى جريح ، والكلج ومذعور وعاصم - وكانوا حماه لناس - مع المثنى ، وهرب من الناس بشر كثير على وجوههم ، وافتضحوا في أنفسهم ، واستحيوا مما نزل بهم ، وبلغ ذلك عمر عن بعض من أوى إلى المدينة فقال : عباد الله ! اللهم ان كل مسلم في حل منى ، انا فئه كل مسلم ، يرحم الله أبا عبيد ! لو كان عبر فاعتصم بالخيف ، أو تحيز إلينا ولم يستقتل لكنا له فئه ! وبينا أهل فارس يحاولون العبور أتاهم الخبر ان الناس بالمدائن قد ثاروا برستم ، ونقضوا الذي بينهم وبينه فصاروا فرقتين : الفهلوج على رستم ، وأهل فارس على الفيرزان ، وكان بين وقعه اليرموك والجسر أربعون ليله ، وكان الذي جاء بالخبر عن اليرموك جرير بن عبد الله الحميري ، والذي جاء بالخبر عن الجسر عبد الله بن زيد الأنصاري - وليس بالذي رأى الرؤيا - فانتهى إلى عمر وعمر على المنبر فنادى عمر : الخبر يا عبد الله بن زيد ! قال : أتاك الخبر اليقين ، ثم صعد اليه المنبر فاسر ذلك اليه . وكانت اليرموك في أيام من جمادى الآخرة ، والجسر في شعبان . كتب إلى السرى بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن المجالد وسعيد ابن المرزبان ، قالا : واستعمل رستم على حرب أبى عبيد بهمن جاذويه ، وهو ذو الحاجب ، ورد معه الجالنوس ومعه الفيله ، فيها فيل ابيض عليه النخل ، واقبل في الدهم ، وقد استقبله أبو عبيد حتى انتهى إلى بابل ، فلما بلغه انحاز حتى جعل الفرات بينه وبينه ، فعسكر بالمروحة